Skip links
الاستدامة المؤسسية في العالم العربي: من المبادرات إلى الثقافة التنظيمية

الاستدامة المؤسسية في العالم العربي: من المبادرات إلى الثقافة التنظيمية

المقدمة: من مفهوم “المسؤولية” إلى “الاستدامة الشاملة”

شهد العالم في العقود الأخيرة تحوّلًا جذريًا في نظرة المؤسسات إلى مفهوم النمو والنجاح. فبعد أن كان التركيز منصبًا على الأرباح قصيرة المدى، أصبح الاستدامة هي المعيار الحقيقي لقياس قوة المؤسسة واستمرارها.

لم تعد الاستدامة مجرد شعار أو حملة تسويقية، بل أصبحت إستراتيجية عمل متكاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وفي العالم العربي، بدأ هذا التحول يظهر بوضوح خلال العقد الأخير، مع صعود مبادرات مثل “رؤية 2030” في السعودية، و”الاستراتيجية الوطنية للحياد الكربوني” في الإمارات، ومشروعات الاقتصاد الأخضر في مصر والمغرب والأردن.

لكن السؤال الأهم اليوم:
هل تحولت الاستدامة في المؤسسات العربية من مبادرات موسمية إلى ثقافة تنظيمية أصيلة تسكن في قلب القرارات والسياسات؟

أولًا: ما المقصود بالاستدامة المؤسسية؟

الاستدامة المؤسسية تعني قدرة المؤسسة على تحقيق النجاح الاقتصادي دون الإضرار بالبيئة أو المجتمع، أي خلق قيمة طويلة الأمد لجميع أصحاب المصلحة: المستثمرين، الموظفين، العملاء، والمجتمع.

وتقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية تعرف باسم الأركان الثلاثة للاستدامة (Triple Bottom Line):

  1. الاستدامة الاقتصادية: النمو المربح والمتوازن.
  2. الاستدامة البيئية: حماية الموارد وتقليل الانبعاثات.
  3. الاستدامة الاجتماعية: العدالة، المساواة، وتمكين الإنسان.

المنظمات التي تتبنى هذه الأركان بشكل متكامل تصبح أكثر قدرة على المرونة والتنافسية في مواجهة الأزمات العالمية.

ثانيًا: السياق العربي للتحول نحو الاستدامة

العالم العربي يعيش اليوم مرحلة انتقالية فريدة: من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى بناء اقتصاد معرفي مستدام.
وقد لعبت الرؤى الوطنية دورًا أساسيًا في توجيه هذا المسار.

  1. الإمارات العربية المتحدة

تعد من الدول الرائدة في تبني مفهوم الاستدامة عبر مبادرات مثل:

  • الاستراتيجية الوطنية للحياد الكربوني 2050.
  • مدينة مصدر كنموذج للمدن المستدامة.
  • إلزام الشركات الكبرى بإصدار تقارير استدامة دورية.
  1. المملكة العربية السعودية

ضمن رؤية 2030، تم إطلاق مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، إلى جانب تعزيز الحوكمة البيئية في الشركات الوطنية.

  1. مصر والمغرب والأردن

تعمل على دمج الاستدامة في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل، بدعم من منظمات التنمية الدولية.

هذه الجهود تؤسس لمفهوم جديد في المنطقة: الاستدامة بوصفها محركًا للتنمية، لا عبئًا عليها.

ثالثًا: من المبادرات إلى الثقافة المؤسسية

الفرق بين “المبادرة” و”الثقافة” جوهري.

  • المبادرة هي مشروع أو حملة مؤقتة.
  • الثقافة هي نمط تفكير وسلوك يومي متجذر في المؤسسة.

لكي تصبح الاستدامة ثقافة مؤسسية، يجب أن تتغلغل في القيم والسياسات والعمليات.

مظاهر الثقافة المستدامة:

  1. تضمين الاستدامة في رؤية ورسالة المؤسسة.
  2. ربطها بمؤشرات الأداء (KPIs).
  3. إشراك جميع الموظفين في المبادرات البيئية والاجتماعية.
  4. التقييم المستمر للأثر الحقيقي على البيئة والمجتمع.

الاستدامة ليست مهمة قسم البيئة فقط، بل مسؤولية كل موظف، من المدير التنفيذي إلى العامل الميداني.

رابعًا: حوكمة الاستدامة – الإطار الإداري الداعم

تحتاج المؤسسات إلى نظام حوكمة واضح يضمن أن الاستدامة ليست مجرد نوايا، بل سياسات قابلة للتنفيذ والقياس.

عناصر الحوكمة المستدامة:

  • مجلس استدامة داخلي يشرف على الخطط البيئية والاجتماعية.
  • تقارير شفافة تُعرض على المساهمين والجهات التنظيمية.
  • ربط المكافآت الإدارية بتحقيق أهداف الاستدامة.
  • التزام قانوني وأخلاقي بعدم الإضرار بالمجتمع أو البيئة.

الحوكمة هنا تمثل “الضمير المؤسسي” الذي يحول الوعود إلى أفعال.

خامسًا: الأبعاد الثلاثة للاستدامة المؤسسية بالتفصيل

  1. البعد الاقتصادي

الاستدامة الاقتصادية لا تعني الربح فقط، بل تحقيق النمو دون استنزاف الموارد.
يتحقق ذلك من خلال:

  • تنويع مصادر الدخل.
  • الاستثمار في الابتكار والتقنيات النظيفة.
  • إدارة فعالة للمخاطر المالية.
  1. البعد البيئي

يشمل تقليل البصمة الكربونية، إدارة الطاقة والمياه، وإعادة التدوير.

مثال: شركات في دبي والرياض بدأت بإلغاء الورق بالكامل والاعتماد على الأنظمة الرقمية، مما خفّض الانبعاثات بنسبة ملحوظة.

  1. البعد الاجتماعي

يتعلق بحقوق العاملين، المساواة بين الجنسين، والمسؤولية تجاه المجتمع المحلي.

مثال: مؤسسات عربية عديدة تخصص نسبة من أرباحها لدعم التعليم وريادة الأعمال المجتمعية.

سادسًا: الاستدامة كميزة تنافسية

لم تعد الاستدامة مجرد التزام أخلاقي، بل أصبحت عاملًا استراتيجيًا للتميّز.

  • المستثمرون الدوليون يفضلون الشركات ذات الأداء المستدام.
  • المستهلكون يفضلون المنتجات الصديقة للبيئة.
  • الموظفون ينجذبون إلى المؤسسات التي تشاركهم القيم الإنسانية.

وفق تقرير PwC لعام 2023، أكثر من 70% من جيل الألفية في الشرق الأوسط يفضل العمل في مؤسسات ذات أهداف بيئية واجتماعية واضحة.

بمعنى آخر، الاستدامة أصبحت لغة السوق الجديدة.

سابعًا: أدوات تطبيق الاستدامة في المؤسسات العربية

  1. التقارير غير المالية (ESG Reports)
    تُستخدم لقياس الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمي.
  2. شهادات واعتمادات الاستدامة
    مثل ISO 14001 (الإدارة البيئية) وISO 26000 (المسؤولية الاجتماعية).
  3. التحول الرقمي الأخضر
    استخدام التكنولوجيا لتقليل استهلاك الطاقة والموارد.
  4. سلاسل التوريد المستدامة
    التأكد من أن الموردين يلتزمون بنفس المعايير البيئية.
  5. مؤشرات الأداء الخضراء
    قياس الانبعاثات، إعادة التدوير، وعدد المبادرات المجتمعية.

ثامنًا: التحديات التي تواجه تطبيق الاستدامة في المؤسسات العربية

  1. نقص الوعي المؤسسي
    لا تزال بعض الإدارات تنظر إلى الاستدامة كتكلفة إضافية، لا كاستثمار.
  2. ضعف البيانات والقياس
    غياب مؤشرات دقيقة للأداء يجعل التقييم صعبًا.
  3. غياب الكفاءات المتخصصة
    قلة الخبراء في مجال ESG والحوكمة البيئية.
  4. تحديات التمويل
    المشروعات الخضراء تحتاج إلى استثمارات أولية مرتفعة.
  5. محدودية القوانين الملزمة
    بعض الدول لم تصدر بعد تشريعات تلزم الشركات بتقارير استدامة سنوية.

تاسعًا: قصص نجاح عربية في الاستدامة

  1. مجموعة الإمارات للطيران

أطلقت برنامجًا لتقليل النفايات والانبعاثات عبر تحسين كفاءة الوقود وإعادة التدوير داخل الطائرات.

  1. أرامكو السعودية

تستثمر في مشاريع الطاقة المتجددة وتطوير الهيدروجين الأخضر، مع التزام بخفض الانبعاثات بنسبة 50% بحلول 2030.

  1. البنك العربي – الأردن

أصدر أول تقرير استدامة عربي متكامل، يربط الأداء المالي بالأثر الاجتماعي والبيئي.

  1. شركة “بيئة” – الإمارات

من الشركات الرائدة في الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات، وتعمل على تحقيق صفر نفايات في الشارقة.

هذه النماذج تبرهن أن الريادة العربية في الاستدامة ممكنة ومستمرة.

عاشرًا: من الاستدامة كـ"برنامج" إلى الاستدامة كـ"هوية"

التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح الاستدامة عنصرًا في هوية المؤسسة، لا مجرد مشروع إداري.

  • في القرارات اليومية.
  • في التواصل مع العملاء.
  • في تصميم المنتجات.
  • في طريقة إدارة الوقت والطاقة والموارد.

الهوية المستدامة تولّد ولاء الموظفين وثقة العملاء، وتجعل المؤسسة أكثر استعدادًا لمستقبل متغير.

الحادي عشر: التعليم والاستدامة – الجيل القادم من القادة

الجامعات العربية بدأت تلعب دورًا متزايدًا في تعزيز ثقافة الاستدامة من خلال:

  • إنشاء كليات متخصصة في إدارة البيئة والطاقة المتجددة.
  • تدريب الطلبة على التفكير الأخضر وريادة الأعمال المستدامة.
  • دمج مفاهيم ESG في مناهج إدارة الأعمال.

هذا الجيل الجديد سيكون هو قادة التحول الأخضر في القطاعين العام والخاص.

الثاني عشر: نحو مستقبل عربي مستدام

يُتوقع أن تشهد السنوات القادمة توسعًا كبيرًا في الاستثمارات الخضراء في المنطقة العربية، خاصة مع:

  • استضافة الفعاليات الدولية مثل COP28.
  • توجه صناديق الاستثمار إلى المشاريع المستدامة.
  • زيادة وعي المستهلكين بقيمة المنتجات الصديقة للبيئة.

المستقبل العربي المستدام لن يتحقق بالمبادرات فقط، بل بترسيخ ثقافة الاستدامة كطريقة تفكير وإدارة حياة.

الخاتمة: الاستدامة كفلسفة للنجاح

الاستدامة المؤسسية ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لبقاء المؤسسات وتطورها.
إنها التقاء الأخلاق بالاقتصاد، والمسؤولية بالابتكار.

وحين تنتقل الاستدامة من أن تكون “مشروعًا بيئيًا” إلى أن تصبح ثقافة تنظيمية تحدد كيف نفكر ونقرر ونتصرف، عندها فقط يمكن القول إن المؤسسات العربية قد دخلت عصر الريادة المسؤولة.

فالمؤسسة التي تراعي الإنسان والبيئة اليوم، هي المؤسسة التي ستقود الغد بثقة ووعي.

تواصل مع IFTC

ابقَ على اطلاع بآخر برامجنا وفعالياتنا وقصص النجاح. تابعنا على منصاتنا الرسمية:

 

قدِّم الآن

Please enable JavaScript in your browser to complete this form.

منى هاشم

عضو المجلس الأكاديمي

الخبرة المهنية: